بناء المنتج كاملاً ثم عرضه على العملاء، هو أحد أهم الأخطاء التي يقع بها رائد الأعمال. وذلك يتنافى مع مبادئ ريادة الأعمال الليّنة Lean Startup. فبالرغم من إيمان رائد الأعمال بوجود حاجة لمنتجه، إلا أن ذلك الإيمان سيكون خاطئا في الكثير من الحالات. فبحسب دراسة لمجلة فوربس،فإن أكثر سبب لفشل المشاريع الناشئة هو عدم وجود حاجة للمنتج الذي تبيعه.

أكثر الأسباب لفشل المشاريع الناشئة

لذلك وبدلا من صرف الكثير من الموارد (الجهد والوقت والمال) لبناء المنتج كاملا، فإن الحل البديل يكون ببناء أصعر منتج قيم MVP. وهو عبارة عن منتج غير مكتمل بهدف اختباره مع العميل.

بالإمكان أن يكون هذا المنتج عبارة عن منتج قابل للاستخدام من قبل العميل. لكن ذلك ليس شرطاً دوماً. فأحيانا يكون الغرض هو اختبار جزئيات محددة، كرغبة العميل لاستخدام المنتج، أو رغبته بشراء المنتج بثمن معين، أو حتى معرفة الشكل الأفضل للوجو المنتج. وكلما كان شكل واستخدام الـ MVP أقرب للمنتج النهائي، كلما زادت أهمية نتائجه.

إذاً، الهدف من الـ MVP هو إتاحة الفرصة لرائد الأعمال للقيام باختبار الافتراضات التي بنى منتجه عليها على عملاء حقيقيين للتأكد من صحة أو خطأ هذه الافتراضات. فالافتراضات المبنية على الورق تختلف تماما بمجرد مقابلة العملاء الحقيقين في السوق!

وبذلك تهدف MVP إلى:

  • اختبار أهم الافتراضات حول منتجك بأقل تكاليف ممكنة
  • إتاحة الفرصة للعملاء لرؤية منتج بأبكر وقت ممكن للحصول على إفادتهم Feedback
  • التعلم من هذه الاختبارات لتطوير المنتج
  • تقليل الهدر وصرف أقل موارد ممكنة في صناعة المنتج النهائي

في هذه المقالة سنذكر بعض الطرق الهامة للقيام باختبار أصغر منتج قيم MVP بفعالية. يختلف نوع MVP المستخدم وطريقة اختباره بحسب نوع المنتج/الخدمة التي تود تقديمها. تشمل الطرق ما يلي:

مقابلة العملاء Interviews

في البداية علينا أن نفرق بين مقابلة العملاء والاستبانات المستخدمة في الدراسات التسويقية. ففي المشاريع الريادية أنت بحاجة أكثر للمعلومات الكيفية Qualitative data أكثر بكثير من حاجتك للمعلومات الكمية Quantitative Data . وبذلك فهدفك هو ليس توزيع الاستبانات لأكبر عدد ممكن (التركيز على العدد والنسبة)، وإنما لطرح أسئلة مفتوحة لمجموعة من العملاء المحتملين (التركيز على إجابات واقتراحات العملاء. عليك في البداية أن تجهز أسئلة مفتوحة لتقوم بتوجيه المقابلة (والتي يفضل أن تكون وجها لوجه أو مباشرة وليست كتابية). تشمل الأسئلة بعض الأسئلة عما يفعله العميل لتغطية الاحتياج الذي سيغطيه منتجك في الوقت الحالي (لتتعرف على منافسيك خاصة غير المباشرين منهم)، وبالإمكان إعطائه فكرة منتج وسؤاله عن رأيه فيه، وهل سيرغب باستخدامه.

بالرغم من أهمية رأي العملاء، إلا أن سؤالهم عن منتج غير موجود قد يؤدي لإجابات غير مرغوبة. فقد عرف عن هنري فورد (مؤسس شركة سيارات فورد) أنه قال: "لو أني سألت العملاء عن رأيهم، لطلبوا مني حصانا أسرع!"، حيث أن معظم الناس في تلك الفترة كانت تستخدم الأحصنة، ولذلك سيصعب عليهم تخيل السيارة ولذلك قد يرفضوا حتى فكرة أن يتخلوا عن الأحصنة. لذلكالأهم مما "يقوله" الناس هو ما "يفعلوه" فعلا. لذا عليك أن تفكر جيدا في ما يقوله لك العملاء، كما عليك أن تفكر فيما كنت ستقبله أو سترفضه (ترفضه لسبب منطقي كعدم فهمهم للفكرة مثلا).

صفحة الوصول Landing Page (ويشار إليها صفحة الهبوط)

وهي أول صفحة يدخل عليها المستخدم عند زيارته لموقعك. ليس شرطا أن تكون هذه الصفحة هي الصفحة الرئيسية، وإنما يقوم الكثيرين بتوجيه المستخدمين لصفحة وصول مختلفة تحوي بعض المعلومات عن المنتج ويتم اختبار سلوكهم بعد مشاهدتها.

بإمكانك لتختبر فكرة موقعك قبل البدء ببنائه أن تقوم ببناء صفحة وصول تحوي اسم المشروع مع بعض التفاصيل عنه وعن ميزاته. بالإمكان أيضا وضع فيديو تعريفي قصير عنه (سيأتي شرح أكثر عنه لاحقا)، ومن ثم تقوم بوضع خيار للتسجيل في الموقع Sign up أو وضع خيار للإضافة على القائمة البريدية مع عبارة (سيتم إطلاق الموقع قريبا، إن أردت أن نبلغك فور إطلاقه سجل بريدك). وبإمكانك معرفة مدى إعجاب الزوار بمنتجك بمعرفة نسبة الزوار الذين سجلوا بريدهم لديك.

صفحات الهبوط

بالإمكان أيضا اختبار تسعيرات مختلفة بوضع عدة خيارات من خدمتك مع تسعيرة لكل واحدة منها ورؤية أي تلك التسعيرات تم اختيارها من الزوار قبل التسجيل أو ادخالهم للبريد. وفي بعض الحالات بالإمكان اختبار لون الموقع أو الرسائل الموجودة فيه بما يعرف باسم a/b test والتي يتم فيها عمل عدة نسخ مختلفة من الصفحة وتحويل الزوار عشوائيا إلى أحدها، ومن ثم معرفة أي الصفحات كانت الأفضل أداء من بينها (وذلك بتقسيم عدد زوار كل صفحة على عدد المهتمين الذين سجلوا بالموقع أو أدخلوا بريدهم).

يرجى الانتباه إلى أن جميع ما ذكر عبارة عن مجرد صفحة ولا يوجد أي موقع حقيقي أو مكتمل. وهناك العديد من المواقع التي توفر وتسهل بناء صفحات الوصول لهذا الهدف.

نموذج أولي Prototypes

بالإمكان عمل نموذج توضيحي لمنتجك، سواء كان بشكل الكتروني أو ورقي. فبالإمكان عمل نسخة لواجهات الموقع وذلك باستخدام طرق مختلفة مثل wireframes والتي تشبه الموقع النهائي لكنها بدون وظيفة أو حتى بالإمكان عمل صور للشاشات الرئيسية للبرنامج. وبذلك تفيد في توضيح الشكل النهائي للخدمة للعملاء، ومعرفة ردة فعلهم تجاهها.

بالإمكان أيضا عمل مخططات ورسوم توضيحية ورقية، وشرح آلية العمل للعملاء المتوقعين.

wireframes

الصورة وحقوقها من الموقع في الرابط.

فيديو توضيحي Explainer Videos

يساعد الفيديو التوضيحي في شرح فكرة المنتج بشكل مختصر خاصة وأن الكثير من الناس يميل لمتابعة الأشياء البصرية. ومن الأمثلة الشهيرة عن الفيديوهات التوضيحية هو الفيديو الذي نشرته شركة دروبكس Dropbox عام ٢٠٠٩ وذلك لتوضيح آلية عمل الموقع (خاصة وأن فكرة التخزين السحابي Cloud Storage لم تكن معروفة في ذلك الوقت)، وقد ساهم الفيديو في زيادة عدد المشتركين من ٥ آلف مشترك إلى ٧٥ ألف مشترك في يوم واحد! علما أن المنتج لم يكن متاحا في ذلك الوقت، لكنها كانت طريقة لمعرفة مدى رغبة الناس بخدمة كهذه والوصول للمتحمسين الأوائل Early Adopters

بالإمكان نشر الفيديو إما من خلال صفحة الوصول Landing Page أو من خلال حسابات السوشال ميديا، ودراسة مدى اهتمام الناس وتفاعلهم معها.

التمويل الجماعي Crowd Funding

بيع المنتج (أو الخدمة) قبل صناعته يعد من أهم الطرق لمعرفة مدى رغبة الناس في اقتناء منتجك. لأنها لا تعني فقط أنهم "مهتمون" باقتنائه، بل حتى وأنهم دفعوا مبلغا ماليا لحجزه. هناك الكثير من الطرق لبيع المنتج قبل القيام بها، منها مثلا من خلال صفحة الوصول Landing Page وتسجيل الشخص وتسجيله لمعلوماته ولبطاقته الائتمانية. ويتم سحب المبلغ المالي فقط عند الانتهاء المنتج وقبل إرساله للشخص.

بالإضافة لذلك، هناك الكثير من المواقع المختصة بالتمويل الجماعي والتي تتيح لك عرض منتجك (الذي لم تصنعه بشكل نهائي أول لم تصنعه بكميات كبيرة بعد). من هذه المواقع الموقع الأشهر Kickstarter وموقع Indiegogo . تساعد هذه المواقع بحماية المشتري بحيث أن المنتج أن لم يتم فأنها تعيد الأموال لأصحابها (أو لا تقوم بسحبها أساسا).

من القصص الشهيرة للتمويل الجماعي قصة ساعة بيبل Pebble والتي كانت من أوائل الساعات الذكية في السوق (قبل ساعة آبل وسامسونج)، وشارك في شراء الساعة قبل نزولها قرابة ٧٠ ألف شخص ودفعوا مبلغ ١٠ ملايين دولار لشراء تلك الساعات. وكانت تلك الحملة أحد أسباب نجاح شركة Pebble والتي قامت شركة Fitbit بشرائها لاحقا.

ساعة بيبل Pebble

موقع يدوي Manual Website

بدلا من بناء موقع كامل الأتمتة والبرمجة وصرف الكثير من الجهد والمال عليه، بالإمكان عمل موقع يدوي غير مؤتمت. بهذه الطريقة فإنك تقوم بعمل موقع بسيط يحوي أزرار بسيطة للطلب والشراء. وبمجرد قيام الشخص بالشراء، فإن الطلب يصل إليك لتقوم أنت بتنفيذه كامل خطواته يدويا (بدل من أن تتم بشكل آلي مؤتمت).

كمثال شهير على ذلك، شركة زابوس Zappos التي تبيع الأحذية عبر موقعها الإلكتروني. في البداية لم يكن مؤسس الشركة متأكدا من نجاح فكرة "بيع الأحذية عبر الإنترنت". لذلك قام بالذهاب إلى محل لبيع الكنادر، وقام بالتقاط صور للأحذية الموجودة لديه. ثم بنى موقعها بسيطا يحوي صور الأحذية وسعرها بالإضافة لزر لطلب هذه الأحذية وشرائها. وبمجرد أن يقوم الشخص باختيار الحذاء لشرائه، ترسل جميع المعلومات لمؤسس الموقع، الذي يقوم بنفسه بالذهاب لمحل الأحذية لشراء الحذاء ومن ثم إرساله بالبريد إلى المشتري. وبذلك فإن هذه الـ MVP كانت تؤدي الغرض (بيع الأحذية عبر الإنترنت) بشكل منخفض التكاليف مع القدرة على الاختبار والقيام بالتجارب (طبعا لم يكن الموقع مربحا بسبب القيام بالعمل يدويا، لكن الهدف هو اختبار الافتراضات فقط). وفي النهاية عندما تأكد بأن بيع الأحذية عبر الانترنت ممكن جدا، بدأ ببناء الموقع الحقيقي وعقد الشراكات مع شركات الأحذية وشركات الشحن وبدأ ببناء آلية العمل اللوجستية.

كانت هذه بعض الطرق الأساسية للقيام ببناء MVP لاختبار الافتراضات وقياسها.

كاختصار لها، عليك في البداية أن تقوم بوضع الافتراضات الأساسية حول منتج والتي عليك اختبارها، ثم تقوم بوضع أسهل وأرخص طريقة لإجراء الاختبار، ثم تقوم بإطلاق هذه التجربة. وبعد كل اختبار يجب عليك أن تقوم بدراسة النتيجة بشكل جيد، ثم تقوم بتحدث MVP التي لديك لتحسين النتيجة أو الانتقال لـ MVP أخرى لاختبار افتراضات جديدة. وبذلك عليك تطبيق حلقة "ابنِ، قِس، تعلم" Build, Measure, Learn . وبمجرد تأكدك من صحة جميع الافتراضات الرئيسية (أو على الأقل معظم)، بإمكانك أن تنتقل للخطوة التالية ببناء منتجك الحقيقي. لكن دوما عليك أن تبني المنتج النهائي بأقل ميزات ممكنة، ثم تزيد من المميزات مع الوقت. فالبناء والقياس والتعلم ستستمر معك طوال مشروعك الريادي.