من أهم خصائص المشاريع الناشئة هي قدرتها على التكبير والنمو بشكل منخفض التكاليف. فعلى العكس من المطعم أو السوبر ماركت (مشاريع صغيرة أو متوسطة) والتي تحتاج فيه لمصادر ضخمة (مالية وموارد بشرية وغيرها) لتتمكن من تكبيرها، فإن المشاريع الريادية تستخدم التقنية لتتمكن من النمو بشكل كبير وبتكاليف محدودة.

قارن مثلا بين تطبيق يستخدمه 1000 شخص يوميا، كم ستكون التكلفة عندما يصبح عدد المستخدمين 10,000 مستخدم؟ بنفس الطريقة قارن المطعم الذي يزوره 1000 شخص، وكم ستصبح التكلفة عندما يصبح عدد الزوار 10,000 زائر، الأمر الذي يحتاج لزيادة في المكان والموظفين والمعدات وغيرها.

قبل انتشار التقنية الحالية، كانت الطريقة الأساسية للتكبير، هي باستخدام ما يسمى وفرة الحجم Economies of Scale. وفيه بدلا من أن تبني مصنعا بكلفة مليار دولار لتصنع 10 سيارات فقط (فتكون قيمة الواحدة 100 مليون دولار)، قم بتصنيع مليون سيارة في نفس هذا المصنع . وبذلك فإن التكلفة الكبيرة للمصنع ستتوزع على السيارات الكثيرة الموجودة، فتقل تكلفتها. كانت هذه هي الآلية الأساسية المستخدمة للتكبير في السابق، وما زالت تستخدم حتى اليوم.

لذلك فإن الشركات الأعلى تقييما في العالم في عام 1996 كانت شركة جينيرال إلكتريك GE، وشركة شيل، وشركة كوكاكولا، وشركة الاتصالا اليابانية NTT وشركة إكسون موبيل. جميع هذه الشركات تعتمد على وفرة الحجم Economies of Scale. أما في منتصف عام 2018، فإن هذه القائمة تبدو مختلفة، فهي تحوي آبل وأمازون وألفابيت (جوجل) ومايكروسوفت وفيسبوك. هذه الشركات استخدمت طرقا مختلفة للتمكن من النمو والتكبير.

فالتقنية الحديثة واختلاف طبيعة المنتجات (النمو الكبير في القطاع الخدمي والمنتجات الالكترونية)، مكن المشاريع التقنية من النمو والتكبير بشكل أسرع وأفضل منقبل. بالإضافة لأهمية استخدام التقنية في تكبير منتجك، هناك طرقاً أخرى هامة بالإمكان استخدامها في مشروعك لتتمكن من تكبيره بشكل كبير، وتضاعف من نموه بشكل هائل.

١- سوق مفتوح Marketplace

إن كان مشروعك عبارة عن متجر الكتروني e-commerce، فبدلا من أن تقوم أنت فقط من بيع المنتجات لعملائك، قم بإتاحة الفرصة لأي شخص بأن يبيع عن طريق موقعك أيضا. وبذلك بدلا من أن ينحصر تقديم وبيع المنتجات فيك انت فقط، فإنه يتوزع على الكثير من البائعين الآخرين الذين يبيعون من خلال متجرك.

الكثير من الشركات قامت بذلك، فمثلا شركة أمازون Amazon التي أسست عام 1994 كانت تبيع الكتب وثم المنتجات الأخرى عن طريق موقعها. لكن في عام 2006 قررت فتح السوق وإتاحة الفرصة للمتاجر الصغيرة للبيع عن طريق موقعها، مقابل حصولها على نسبة من البيع. بقيت مبيعات أمازون تشكل النسبة الأعلى من المبيعات طوال الأعوام السابقة. لكن في عام 2017 أعلنت أمازون أن المبيعات التي تتم من خلال البائعين الآخرين 3rd parties شكلت أكثر من ٥٠٪ من المبيعات الإجمالية على الموقع.

إتاحة الفرصة للبائعين الآخرين بالبيع عن طريق منصتك سيزيد كثيرا من العمليات transactions التي تحدث عن طريق موقعك دون أن يكون لك تداخل مباشر بها نظرا لأن الأطراف الأخرى هي من ستبيع وتوصل البضائع، وأنت فقط ستحل على مبلغ مالي من العملية (رسوم اشتراك أو عمولة أو غيرها). لذلك تتجه الكثير من المواقع الإلكترونية لاستخدام هذا النموذج مثل منصة سوق دوت كوم ومنصة نون وغيرهم.

٢- منصة متعددة الأطراف Multi Sided Platform

بدلا من أن تكون أنت هو المزود الوحيد للخدمة (يتم التعامل مع طرف واحد وهو العميل)، فأنت تقوم هنا بالسماح لأطراف أخرى بأن تقوم بتوفير الخدمة أيضا معك (أو تقدم الخدمة بدونك).

فمثلا، بإمكانك شراء ألف سيارة توصيل أجرة، وافتتاح شركة لنقل الركاب. فتكون أنت المزود الوحيد للخدمة (تتعامل مع طرف واحد وهو الراكب)، أو بإمكانك أن تقوم ببناء منصة تجمع بين السائقين أيا كانوا مع الركاب مثل أوبر Uber فيكون هناك الكثير من مزودي الخدمة الذين يقدموها للعملاء.

ما تقوم به الشركات مثل أوبر وغيرها هو أنها لا تقوم هي بشراء السيارات أو المنازل مثلا، وإنما تقوم بإضافة من يمتلكها إلى منصتها. ذلك يقلل كثيرا جدا من استثماراتها المالية ويزيد من قدرتها على النمو. فعندما تقرر شركة أوبر أن تزيد 100 سيارة إلى نظامها، فإنها تقوم فقط بمقابلة 100 سائق بسياراتهم وتتأكد من مطابقتهم لشروطها ثم تقوم بإضافتهم للمنصة. أما لو قررت شركة نقل تقليدية إضافة 100 سيارة لأسطولها فعليها أن تشتري 100 سيارة وتوظف 100 سائق وتقوم بتدريبهم وإضافتهم لموظفيها.

شركة بوكنج دوت كوم، تقوم بالجمع بين الفنادق وبين النزلاء. وبذلك بالإمكان إضافة أي فندق في العالم على منصتها مما يعطيها إمكانية هائلة للتكبير. بإمكانك مقارنتها بفندق قام ببناء موقع يتيح لك حجز الغرف الموجودة فيه. موقع هذا الفندق مهما حاول فإنه لن يتمكن من حجز أي غرف أخرى خارجه، مما يجعل إمكانية تكبيره محدودة جدا.

ليس شرطا أن تبدأ مشروعك الناشئ كمنصة، فبإمكانك أن تبدأه بأن تكون أنت المقدم الوحيد للخدمة ثم تقوم بإتاحة الفرصة للآخرين لتقديم الخدمة معك على المنصة.

٣- المجتمع Community

بناء مجتمع مؤمن بفكرتك يزودك بجيش من المهتمين الذين سيساعدونك في بناء مشروعك وتطويره. موسوعة الويكيبيديا مبنية بشكل كامل من قبل متطوعين يعملون على إضافة وتعديل ملايين المقالات الموجودة على الموقع. تمكنت هذه الموسوعة بهذا النموذج القابل للتكبير بالفوز على جميع المنافسين السابقين مثل موسوعة إنكارتا وموسوعة بريتانيكا الذين اعتمدوا في أسلوبهم على توظيف الخبراء لبناء موسوعاتهم. أسلوب التوظيف هو أسلوب غير قابل للتكبير بسبب تكلفته الكبيرة. لكن ويكيبيديا نجحت في بناء مجتمع من المتطوعين واستخدامهم لتطوير المحتوى الخاص بها.

هناك الكثير من المجتمعات الموجودة على الانترنت، فمثلا Stack Overflow الذي يحوي مجتمعا من المبرمجين الذين يجيبون عن الأسئلة التقنية، وموقع كورا Quora الذي يتيح لك طرح أي سؤال، ويتيح للمجتمع الإجابة عن تلك الأسئلة.

لكن المشكلة تكمن في أن بناء المجتمع إدارة أفراده يحتاج لمهارات مختلفة عن إدارة الشركات والموظفين. في عام ٢٠٠٩ تمكن السويدي ريك فولكفينج من دخول البرلمان السويدي عن طريق بناء حزب معتمدا على مجتمع من المتطوعين الذين قام ببنائهم لأشهر طويلة. حيث جمع هؤلاء المهتمين وقام بإدارتهم بشكل متميز ووجهم نحو هدف واحد وهو الدخول في البرلمان. وفي النهاية نشر تجربته وكيفية إدارة المجتمعات هذه في كتابه المتوفر مجانا Swarmwise: The Technical Manual to Changing the World.

Swarmwise: The Technical Manual to Changing the World

٤- التعهيد الجماعي Crowdsourcing

تقوم الشركات عادة بتكليف مهامها المختلفة لموظفيها. وفي حال تعذر على موظفيها القيام بالعمل بسبب العدد أو التخصص أو الخبرة، فإنه يتم إيكال هذه المهمة لشركات خارجية متخصصة أو أفراد Outsourcing. مع التطور التقني أصبح بالإمكان التوصل لحشود كبيرة من الأشخاص Crowd ومن ثم تكليفهم بالمهام. فلو أرادت الشركة متخصصة في مشكلة ما، أو أرادت تنفيذ مهمة متخصصة معينة، فإن بإمكانها الوصول وبشكل أسرع من قبل بأفراد لديهم القدرة على تنفيذ تلك المهام وبأسعار مناسبة جدا. يسمى تكليف الحشود بتنفيذ المهام بالتعهيد الجماعي Crowdsourcing.

بإمكان الشركات الاستفادة من هذه الميزة بنطاق أوسع بكثير من ذلك. حيث أن بإمكانها الاعتماد على الحشود Crowdsourcing بمهام أساسية وذلك لزيادة عدد المهام المنجزة، أو الخبرات المستخدمة. فمثلا، وجدت الشركة الدوائية Illy lily أن لديها الكثير من المشاكل والتي لم تجد لها حلا، وأسمت الموقع Innocentive. وبدلا من توظيف المزيد من العلماء والباحثين (ذوي الرواتب المرتفعة)، قررت فتح موقع يحوي المشاكل الموجودة لديها والتي لم تتمكن من حلها وعرضت المكافآت المالية لمن يتمكن من حل المشاكل. استفادت الشركة كثيرا من هذه الطريقة في حل مشاكلها، خاصة وأن بعض الحلول لم تأتي من أشخاص متخصصين في الصناعات الدوائية والطبية، بل إن عدد كبيرا من المشاكل تم حله من قبل أشخاص لديهم تخصصات بعيدة عن التخصصات الطبية. بعد ذلك تحولت شركة إنوسينتف إلى منصة بإمكان أي شركة بالعالم طرح مشاكلها عليها، وتقوم الحشود بحل هذه المشاكل.

إن النمو الكبير في شركة إنوسينتف لم يحدث بسبب اعتمادها على موظفين داخليين لحل المشاكل، وإنما لاعتمادها على الحشود متعددي المهارات.

الكثير من الشركات الأخرى تستخدم الحشود كركن أساسي لنموها. فشركة جوجل ماب تعتمد على هواتف الحشود في جمع البيانات عن حالة الطرقات (بدلا من الاعتماد على أجهزة تحسس منتشرة في جميع الشوارع مثلا). مواقع الصور مثل Shutterstock تبيع الصور التي تنتجها هي وينتجها الحشود أيضا. وبسبب الحشود أصبح لديها مكتبة ضخمة جدا من الصور لم يكن بإمكانها الحصول عليه لولا الحشود.

واليوم بسبب تطور تقنيات سلسلة الكتل أو البلوكتشين Blockchain أصبح بالإمكان استخدام الحشود وإعطاؤهم المكافآت بصورة أكثر سهولة من قبل. فمثلا بدلا من شراء عدد كبير من الأجهزة لاستخدامها في المعالجة processing، بالاستخدام استخدام أجهزة الأشخاص المرتبطين بالشبكة لهذه المعالجة وإعطاؤهم مكافآت تلقائية لقاء لذلك، أو ما يسمى mining.

٥- المطورين الخارجيين 3rd Party Developer

بدلا من إبقاء منتجك مغلق المصدر، بإمكانك إتاحة الفرصة للمطورين (أو الشركات الأخرى) بالتعديل عليه، أو بناء برامج مختلفة عليه، أو الاستفادة منه في برامجهم. وبذلك فإنك تبني طبقة جديدة تساعدك في تكبير منتجك وزيادة عدد المستفيدين منه.

عندما اطلقت شركة آبل جهاز آيفون في عام 2007 كانت آبل هي الشركة الوحيدة التي بإمكانها بناء تطبيقات خاصة به. لكن بعد أشهر من الإطلاق وجدت أن ذلك سيعيق نمو الهاتف بشكل كبير، وقررت إطلاق متجر التطبيقات App Store في 2008، وأتاحت الفرصة للمطورين باستخدام حقيبتها SDK لتطوير تطبيقات مختلفة. بالنتيجة حقق متجر التطبيقات نجاحا هائلا للأيفون، حيث أنه أتاح الفرصة للمستخدم لاستخدام ملايين التطبيقات الموجودة فيه. وبعد سنة فقط من اطلاقه وصل عدد تحميلات التطبيقات لمليار تحميل. تخيل كيف سيكون الآيفون لو كانت آبل هي المسؤولة الوحيدة عن إضافة التطبيقات على الآيفون؟

تتيح بعض مواقع تصميم الويب إمكانية لبناء واجهات themes مختلفة على منصتها، وبذلك تتاح الفرصة للمطورين للقيام ببناء واجهات جديدة وحتى بيعها على تلك المواقع.

موقع سيلز فورس Sales Force يتيح إمكانية بناء برامج مبنية على منصته وبيعها. وكذلك تتيح متصفحات الانترنت المختلفة إمكانية بناء إضافات Plug-ins or Extensions عليه وبيعها. وجميع ذلك يساهم بدوره بزيادة نمو المتصفح أو الموقع، ويزيد أهميته.

بعض المواقع تتيح إمكانية استخدامها من قبل المطورين باستخدام API. فموقع تويتر Twitter وموقع فورسكوير Foursquare يتيح الفرصة مقابل اشتراكات معينة للحصول على البيانات الموجودة في موقعهم (مثلا تغريدات المستخدمين في تويتر، أو معلومات عن المواقع في فورسكوير). ذلك يتيح الفرصة لاستخدامات جديدة ومختلفة للموقع. وبالإمكان حتى بناء مشاريع جديدة تعتمد على تلك المواقع. فمثلا هوتسويت يتيح الفرصة للمستخدمين من إدارة حساباتهم في التويتر ومواقع التواصل الأخرى، ونشر تغريدات مجدولة، وغيرها من الإمكانيات. وذلك يعتمد على استخدام API التويتر. أمر مشابه حدث في موقع الفيسبوك عندما سمح لمطوري الألعاب استخدام الفيسبوك لبناء ألعاب اجتماعية، وكانت أولى النجاحات هي لعبة FarmVille التي انتجتها شركة زينجا.

بالإمكان الذهاب أبعد من ذلك، بجعل منتجك مفتوح المصدر وبإمكان أي أحد أن يطور بالمنتج نفسه. ذلك بنى منتجات هامة مثل اللينوكس مثلا والكثير من العملات المشفرة. وبذلك بدلا من أن تكون أنت المطور الوحيد لمنتجك، فإن المطورين أيضا سيطورون المنتج معك.

الخلاصة

عند بنائك لمشروعك الناشئ عليك أن تستغل التقنية بأفضل شكل ممكن لتساعد في تكبيره. وعليك أن تدرس الطرق التي ذكرت هنا أو غيرها من الطرق وترى إمكانية استخدامها في مشروعك. ليست جميع الطرق قابلة للتطبيق في جميع المشاريع، فلكل مشروع خصوصيته. وعليك دوما في التفكير في طرق تقلل من حرق المال، أو تقلل من الاعتماد على الأصول أو تقلل من الاعتماد على الموظفين. وكلما وصلت لمشروع منخفض في تكاليف التشغيل، كلما جعلته مهيئا للتكبير بشكل هائل.