تشترك المشاريع بكافة أنواعها  بهدف واحد عريض وهو الربح، وبدون ربح فإننا لا نطلق عليه مشروعا تجارياً.

قد لا يكون الربح هو الغاية الأسمى من المشروع، لكنه شرط لازم لنطلق عليه اسم المشروع التجاري.

هذه المقالة هي المرحلة الثانية من سلسة "كيف أنقل فكرتي إلى مشروع تجاري مربح" ويمكنك الإطلاع على المرحلة الأولى من هنا بلورة الفكرة وتوصيفها

جرت العادة هذه الأيام أن يتبادر للذهن بعد ذكر كلمة شركة ناشئة أو مشروع ناشئ، أنه تطبيق للهواتف الذكية أو موقع ويب، أو حتى روبوت ذكي، الحقيقة نعم! فالمشاريع التقنية تحصد النسبة الأعلى من المشاريع الناشئة ولكن مشروعك ليس بالضرورة أن يكون كذلك.

يمكن أن نفكر بمشروع سياحي، صناعي، تجاري أو حتى تسويقي وما إلى هنالك، وهنا تأتي النقطة المشتركة الأهم بين جميع أنواع المشاريع ويجب تقديسها والحذر منها جيداً.

إذا تواجد سوق جيد لهذا المشروع، إذاً المشروع مربح، لا يوجد سوق لا يوجد مشروع أصلاً.

يقول المؤلف ورجل الأعمال جوش كوفمان في كتابه الشهير "تعلم إدارة الأعمال شخصيا"، إن العمل التجاري بالتعريف هو:

بناء شيء يحتاجه الناس بسعر يستطيعون شراءه، ويسلم لهم بطريقة ترضيهم، ويعود بربح كافي لمتابعة الإنتاج والتطوير.

عدم توفر أحد هذه الشروط يعني الفشل، وما نود التركيز عليه هنا هو توفر مجموعة من الناس في حاجة لما سوف نبنيه وقادرة على شرائه بسعر يعود بالفائدة علينا حتى نتابع التطوير والإنتاج. ما سبق هو التعريف الحرفي لكلمة سوق، نريد أن نضمن أن لفكرتنا سوقا كاف يضمن نجاح المشروع وبالتالي فإننا سنستمر، وإلا يستحسن إعادة الحسابات قبل الإنتقال إلى الخطوة التالية.

في المراحل المبكرة يكون من الصعب جدا تحضير دراسة دقيقة وتفصيلية للسوق، الدراسة التفصيلية تتطلب توصيفا دقيقا للمنتج، تسعيره، وصف الزبون ووصف اّلية وطريق وكلفة البيع والشراء ...الخ.

بسبب صعوبة الحصول على دراسة تفصيلية للسوق كان لابد لنا من التعرف على مفهوم جديد وهو الدراسة الأولية للسوق، يمكن أن يخطر ببالك أن منتجك أو خدمتك قابلة للبيع في كل دول العالم حتى الصين، جميل جداً لكن ما عليك فعله وأنت في هذه المرحلة هو التأكد من أن فرضياتك حول فكرتك بشكل أولي ومصغر صحيحة، بعبارة أخرى أن الفرضيات التالية صحيحة مبدئيا:

  1. انت تفترض أن هناك مشكلة أو حاجة ويجب حلها.
  2. أنت تفترض أن فكرتك قادرة على حل هذه المشكلة أو الحاجة.
  3. أنت تفترض أن هذه المشكلة منتشرة بشكل كبير ضمن وسط معين من الناس.
  4. أنت تفترض أن أصحاب هذه المشكلة يرغبون بحل مشكلتهم حتى وإن اضطروا لدفع الأموال مقابل ذلك.

أثبت صحة هذه النقاط الأربعة ولو بشكل سريع وأولي وأنت في أمان للإنتقال للخطوة التالية، لكن كيف تفوم بذلك عمليا، الجواب: لا توجد طريقة محددة، الطريقة تعتمد على طبيعة الفكرة والخدمة أو المنتج الذي تود طرحه.

هناك العديد من الطرق لإثبات الإفتراضات السابقة، يمكنك الأخذ بأحدها أو كلها أو حتى دمج بعضها مع بعض للوصول لطريقة أفضل، أمثلة على أشهر الطرق:

طريقة البحث عن المنافسين:

راقب المنافسين فنجاحهم دليل على توفر سوق جيد: إذ أن الأموال تدر عليهم ولديهم من الزبائن الكثير، في هذه الحالة ما عليك إلا أن تكون منافسا ذكيا.

طريقة الاستبيان:

قم بعمل استبيان واستهدف شريحة من الناس تعتقد أنهم زبائن محتملين لمشروعك, اسألهم عن المشكلة واعرض عليهم الحل ثم استفسر ما المبلغ الذي سيسعدون بدفعه مقابل هذا المنتج, لا تسأل أصدقائك وعائلتك فهم حتما سيعطوك نتائج إيجابية, حاول البحث عن نماذج لزبائن محتملين ضمن شبكة علاقاتك أو شبكة شبكة علاقاتك -ضمن مواقع التواصل الإجتماعي مثلا- كلما كانت الأصوات في الاستبيان أكثر كلما كانت النتيجة أدق, كن محددا في أسئلتك، أعط لكل سؤال معنى في ذهنك، لا تكن عاما وكن محددا قدر الإمكان.

ليس الأمر بالهين, لتجعل الناس يقبلون الإجابة على أسئلتك ولكنه مع ذلك يستحق العناء. إذا أخذت نتيجة إجابية من أحد الزبائن المحتملين، لاتنس أخذ رقم هاتفه أو بريده الإكتروني لعرض المنتج عليه لاحقا وبيعه إياه.

إذا كنت لا تملك شبكة علاقات جيدة فقم ببناءها من الآن.

طريقة البيع الأولي:

وهذه طريقة نوعا ما صعبة ولكنها الأفضل على الإطلاق, ينبغي عليك أولا تحضير عرض تقديمي لمنتجك وتصميمه بشكل رسومي واحترافي عند مصمم محترف بشكل جميل وواضح, قم بعرض الوظائف الأساسية له بدون تعقيد, أوحتى يمكنك تحضير موقع ويب أو أي وسيلة أخرى تظهر الشكل الأساسي للمنتج بطريقة جذابة واحترافية, أنت هنا تقوم فقط بشرح ووصف منتجك وليس بناء المنتج.

ثم قم بالحصول على مواعيد مع الزبائن المحتملين, حاول أن تجد أشخاصا ضمن شبكة علاقاتك على صلة بالزبون واطلب منهم أن يتحدثوا عنك وينصحوا بك أمام الزبون قبل موعد الزيارة.

قم بعرض منتجك على الزبون المحتمل وأخبره أن المنتج قيد الإنشاء, أعطه موعدا محددا لإنهاء المنتج وتسليمه حتى يشعر بالأمان, يمكن حساب الموعد تقريببيا ولا مشكلة إن كنت مخطأ في ما بعد فأنت هنا للعرض وليس توقيع العقد النهائي.

إذا حصلت على رد فعل إيجابي من الزبون, قم فورا ببيع المنتج له ضمن عقد أولي وبدون قبض أي مال, النتيجة الإجابية من الزبون لا تكفي ولا تعني الكثير, ينبغي أن يوقع عقداً أوليلاً ولا بأس إن غير رأيه لاحقا وألغى العقد.

هذه ثلاث طرق أولية وطبعا هنالك العديد من الطرق الأخرى قد تكون أكثر فاعلية بالنسبة لفكرتك, إبحث عنها وأثبت فرضياتك.

مهما كانت الطريقة التي ستستخدمها فإن هناك شرطا مشتركا بين جميعها لضمان نجاحها وهي أن تستهدف الزبائن المحتملين ضمن سوق محدد.

ستكون على خطأ إن إعتقدت أن لفكرتك سوقا واحدا فقط, هذا غير ممكن إطلاقا, إذ لكل منتج أكثر من سوق واحد وبأحجام مختلفة.

بالعودة لمثالنا "الموقف الذكي" الاّنف الذكر في المرحلة الأولى من المقال, فأنت تود عرض تطبيق للهواتف الذكية لحجز المواقف الشاغرة, في حالتنا هذه أرى أن هنالك سوقين على الأقل وهما, إما أنك تود البيع لأصحاب المواقف وهذا سوق أول, أو تود البيع لأصحاب السيارات وهذا سوق آخر, أو الاثنين معا...الخ.

هل ستبيعه لأصحاب المواقف الكبيرة ذات الطوابق أم المواقف العادية, هل ستبيعه لسائقي السيارات القاطنين بالمدينة أم الزوار القادمين حديثا ...الخ.

هنا نتعرف على مفهموم جديد وهو السوق الشاطئي الذي تحدث عنه المؤلف الشهير بيل أوليت في كتابه ريادة الأعمال الملتزمة.

عليك التفكير بالطريقة التالية: في البداية ستقوم ببيع منتجك لسوق صغير ضمن مواصفات محددة وواضحة وسوف تثبت جدارتك ضمنه وتحصل على مبيعات جيدة ومن ثم ستنتقل لسوق آخر أكبر وأوسع.

عليك تعريف السوق الأولي بالنسبة لك, بالعودة لمثالنا "الموقف الذكي" على سبيل المثال سنعرف سوقنا الشاطئي بأنه المواقف الطبقية الخاصة ضمن مدينة اسطنبول التركية والتي تستوعب أعدادا كبيرة من السيارات.

ليس من المنطقي بداية عملية دراسة السوق قبل معرفة السوق الشاطئي, لكن ماذا اذا كانت النتائج غير مرضية والسوق ليس كما كان متوقعا: في هذه الحالة عليك القيام بأحد الخطوات التالية وبعدها قم بدراسة السوق الأولي مرة أخرى:

  • قم بالتعديل على الفكرة لتستهدف شريحة أفضل من الزبائن.
  • قم بالتعديل على السوق الشاطئي لتستهدف زبائن أفضل.
  • قم بالتوقف وانتقل لفكرة أخرى.

بهذا نصل إلى الخلاصة, للقيام بالدراسة الأولية للسوق علينا أن نقوم بما يلي:

  • تحديد السوق الشاطئي لنا.
  • إثبات صحة الفرضيات التي وضعناها بشكل أولي.
  • إعادة الدراسة الأولية للسوق بعد التعديل إذا كانت النتائج غير مرضية.

المرحلة التالية هي "بناء النموذج الأولي" والتي سنغطيها في المقالة القادمة.

المصادر:

  • خبرتي المتراكمة من إطلاق ثلاث مشاريع ناشئة خلال ست سنوات سابقة وعملي ضمن شركات أخرى منذ 2007.
  • مؤتمرات وندوات وبرامج تعليمية قمت بحضورها.
  • مفاهيم متعددة أخذتها وطبقتها من عدة كتب مثل
    Purple Cow/Built to Last/Disciplined Entrepreneurship/The Lean Startup/Personal MBA/